إمام الحرم المدني في ذمة الله

(محمد أيوب درة الحرمين)

* يقول الشيخ عبدالعزيز القارئ-رئيس لجنة مراجعة مصحف المدينة النبوية سابقا في سياق حديثه عن الإمامة في التراويح-: (لم يؤم المصلين بالحرمين الشريفين منذ خمسين سنة مثل الشيخ محمد أيوب).
حقا إنه نموذج -بعد توفيق الله تعالى- للضبط وحسن الأداء المتقن برياضة اللسان والدربة، مع جمال التغني بالقرآن وتحبيره بألوان حسنة ، ومراعاة لمراتب التلاوة وأحكامها ، كل ذلك بمنزلة توسطت بين تكلف بعض القراء وتساهل آخرين في تحقيق الأحكام التجويدية
والشيخ محمدأيوب صاحب حنجرة تتمتع بصفاء حبالها ومقدرتها على القراءة بمستويات متزنة مع سلاسة الانتقال بعفوية من مقام صوتي إلى آخر ولو كانت القراءة بمقياس الرفع والخفض ،حتى يخيل إلى مستمعيه أو المصلين خلفه أن التلاوة لم تزل في استهلالها بعد، الأمر الذي يدل على تمكنه البارع في التصرف بالعرب الصوتية قرارا وجوابا دون أن تشعر في قراءته بنشاز.
وأما مقدرته على القراءة لفترات طويلة ففضل من الله تعالى عليه، مما دعا كثيرا من القراء والحفاظ للإعجاب والإكبار،وعليه فلا غرابة إذا علمنا أنه كان يؤم المصلين وحده في الحرم النبوي بثلاث وعشرين ركعة يوميا عام١٤١٠ كامل الشهر عدا ليلتين أوثلاث، بالإضافة إلى مشاركته في التهجد في العشر الآواخر التي تميز محراب رسول الله -صلى الله عليه وسلم بطول القراءة فيها مقارنة بالمسجدالحرام .
* وله تلاوات قديمة لعام ١٤٠٩ وما قبله سجلت من مسجدقباء وغيره -وأظن أنها موجودة في تسجيلات التقوى بالرياض- قد قرأ فيها بالحدر السريع بغية إدراك الختم أكثر من مرة، وكنت سألته سنة ١٤١٨ عن مدى مقدرته في القراءة تدويرا -وهو قائم يصلي في المحراب- فقال: قريب الجزئين أو ثلاثة.
وقد يكون هو الوحيد الذي قرأ في قيام رمضان بالحرمين بتوسط المد المنفصل والمتصل مع العناية بتساوي مقادير المدود بأنواعها دون أن تلحظ في أدائه إعياءا أو توقفا إلا عند ما يجب أو يحسن الوقف عليه، وإن كان قصرالمنفصل هو الغالب في قراءته كسائر الأئمة.

*وإن تعجب فعجب تلاوته بمرتبة التحقيق التي أبدع فيها أيما إبداع؛حيث تتجلى رصانة الحروف ووضوح الصفات مع ثبات في الأداء وطول في النفس،وقد نشر القائمون على موقعه -وفقهم المولى- عددا من تلاواته المحققة التي سجلها التلفزيون السعودي قبل أكثر من ثلاثين عاما.

وشعبية الشيخ محمدأيوب وشهرته بالقراءة الحجازية تأتي في الطليعة لأسباب من أبرزها:

١ – أنه أدرك كبار القراء الحجازيين وقت دراسته بمكة المكرمة من أمثال الشيخ: عباس مقادمي، وزكي داغستاني، وخليل قارئ وغيرهم؛ فأخذ عنهم ودرس على بعضهم حتى أتقن فأبدع في القراءة الحجازية بأنواعها وهو في سن مبكرة.
وفي تلك الفترة كان الشيخ محمدصالح قزاز -رحمه الله- رئيس (الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم) بمكة آنذاك يشجعه على مرافقته ليفتتح المؤتمرات والاجتماعات التي كانت تعقد في مكة وغيرها.

٢ – كذلك من الأسباب التي جعلته مشهورا بالقراءة الحجازية أن مصحفه المرتل الذي سجله بمجمع الملك فهد وانتشر على نطاق واسع في العالم الإسلامي يعتبر أول مصحف كامل يصدر بالحجازية، وقد استفادت منه جموع غفيرة من المسلمين في تحسين التلاوة واقتباس الأداء الحسن كاستفادتهم من المصحفين المسجلين بالمجمع بصوت الشيخين المتقنين علي الحذيفي وإبراهيم الأخضر.
٣ – كذلك كونه أول إمام بالحرمين يقرأ بأكثر من صوت -حسب علمنا في عصرالتسجيل والإعلام- وكأنه بنبراته المتعددة يراعي نوع الصلاة ووقتها محلقا بالمصلين إلى أجواء من التدبر والطمأنينة مع العناية بمراتب القراءة حدرا وتدويرا .
يقول الشيخ المقرئ شير زاد عبد الرحمن طاهر: (الشيخ محمد أيوب حقيقة يعتبر مدرسة مستقلة، يختلف كثيرا عن أقرانه بأنه استطاع أن يؤدي أنماطا كثيرة مختلفة وباقتدار عال).
*وقد أحصى بعض متابعيه ما قرأ به من أصوات فأوصله إلى أكثر من ستة عشر نوعا، والتي كان منها القراءة الحجازية بأنماطها المتنوعة.

ولم يعد معظم أئمة المساجد في أرض الحجاز يحاكون بعض أصواته فحسب؛بل تعدى الأمر إلى آفاق أبعد من ذلك؛فقد قلد نبراته الحجازية وحاكى طريقته – بين مقترب منها ومبتعد عنها- عشرات القراء والأئمة في دول الخليج وغيرها .
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا.

Related Post

thumbnail
hover

قوانين ساهر الجديدة

قوانين ساهر الجديدة من المعروف أن شركة ساهر كانت تدار من خلال شركة دلة البركة...

اترك تعليقك هنا

logged inيجب أن تكون نشرت التعليق.